الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

297

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بخيل إلّا سيذهب ويترك ماله ، والمتصرّف في ذلك كلّه هو الله ، فهو يرث السماوات والأرض ، أي يستمرّ ملكه عليهما بعد زوال البشر كلّهم المنتفعين ببعض ذلك ، وهو يملك ما في ضمنهما تبعا لهما ، وهو عليم بما يعمل الناس من بخل وصدقة ، فالآية موعظة ووعيد ووعد لأنّ المقصود لازم قوله : خَبِيرٌ . [ 181 ، 182 ] [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 181 إلى 182 ] لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ ( 181 ) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ ( 182 ) استئناف جملة لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ لمناسبة ذكر البخل لأنّهم قالوه في معرض دفع الترغيب في الصدقات ، والذين قالوا ذلك هم اليهود ، كما هو صريح آخر الآية في قوله : وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ، وقائل ذلك : قيل هو حييّ بن أخطب اليهودي ، حبر اليهود ، لمّا سمع قوله تعالى : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً * [ البقرة : 245 ] فقال حييّ : إنّما يستقرض الفقير الغنيّ ، وقيل : قاله فنحاص بن عازوراء لأبي بكر الصديق بسبب أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أرسل أبا بكر إلى يهود قينقاع يدعوهم ، فأتى بيت المدراس فوجد جماعة منهم قد اجتمعوا على فنحاص حبرهم ، فدعاه أبو بكر ، فقال فنحاص : ما بنا إلى اللّه من حاجة ، وإنّه إلينا لفقير ولو كان غنيّا لما استقرضنا أموالنا كما يزعم صاحبكم ، فغضب أبو بكر ولطم فنحاص وهمّ بقتله ، فنزلت الآية . وشاع قولهما في اليهود . وقوله : لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ تهديد ، وهو يؤذن بأنّ هذا القول جراءة عظيمة ، وإن كان القصد منها التعريض ببطلان كلام القرآن ، لأنهم أتوا بهاته العبارة بدون محاشاة ، ولأنّ الاستخفاف بالرسول وقرآنه إثم عظيم وكفر على كفر ، ولذلك قال تعالى : لَقَدْ سَمِعَ المستعمل في لازم معناه ، وهو التهديد على كلام فاحش ، إذ قد علم أهل الأديان أنّ اللّه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، فليس المقصود إعلامهم بأنّ اللّه علم ذلك بل لازمه وهو مقتضى قوله : سَنَكْتُبُ ما قالُوا . والمراد بالكتابة إمّا كتابته في صحائف آثامهم إذ لا يخطر ببال أحد أن يكتب في صحائف الحسنات ، وهذا بعيد ، لأنّ وجود علامة الاستقبال يؤذّن بأنّ الكتابة أمر يحصل فيما بعد . فالظاهر أنّه أريد من الكتابة عدم الصفح عنه ولا العفو بل سيثبت لهم ويجازون عنه فتكون الكتابة كناية عن المحاسبة . فعلى الأول يكون وعيدا وعلى الثاني يكون تهديدا .